مقالات و بحوث تربوية

فراشة الربيع – خالد بيلا – الجزء 1

نزل من حافلة النقل الحضري، فنفض سترته وتحقق من سلامة أطرافها، ليتمم مسيره نحو “الغار”، كما كان يحب أن يسميه أثناء تمازحه وأصحابه. بعد دقائق من السير وجد نفسه في السوق دون سابق نيّة، فقد غيّر الباعة أماكنهم مرة أخرى خوفا من إحدى الحملات التي طالت سوقهم الغير النظامي. أخذ ينساب بين العربات، ويراوغ المارّة، فتارة شيخا يسير وسط الطريق حاملا قفّته، وتارة أخرى صبيّا ممسكا أمه بيسراه وتاركا يمناه الملطّخة بالطّين ليربّت بها على كل محظوظ يمرّ بجانبه… يدفع هذا بذراعه، ويحتمي من ذاك بمحفظته الباهت لونها، المهم أن تصل السترة في أمان الله، فقد ضاق ذرعا بتوبيخ ابن عمه له كلما أعاره شيئا من ثيابه، ولولا كِبر مناسبة اليوم وأهميتها لما سمحت له عزة نفسه أن يطلب منه السترة مرة أخرى. بعد هنيّة لمح بائع الإجاص، فتحسّس جيبه ليتحقق من وجود تلك الدريهمات التي بقيت من ثمن تذكرة الحافلة. إنه آخر أسبوع له بالمدينة، ولا ضيْر من أن يستمتع بكل ما اشتهت نفسه منذ أشهر، خاصة وأنه وفّر من آخر منحة دراسية أكثر من النصف، فلا مزيد من مصاريف الكراء، ولا مصاريف النقل، ولا حتى مصاريف المأكل والمشرب، فقط أيام معدودة تفصله عن العودة الى الدوّار.
وقف عند الفاكهانيّ، وبعد المساومة المعتادة على الثمن، اختار بضع حبات من الإجاص بعناية كاملة، وهو يتحسّس جيبه من حين لآخر؛ أدّى الثمن ثم تابع طريقه بخطوات واسعة، متأبطّا محفظته التي صار لونها الأسود مائلا للأزرق بسبب كثرة التّصبين. بعد اجتياز زنقتين، أو ثلاث، وصل صاحبنا “للغار”، ففتح الباب ثم دخل مسرعا خِيفة من أن يلْحظه “بّا مْحمّد” صاحب الدّكان.
خلع حذاءه، ووضع محفظته وكيس الإجاص جانبا، ثم علّق السّترة بلطف على مقبض الباب ليرتمي على فراشه ويبدأ بترتيب أفكاره وتحليل مقابلة التخرج التي أجراها اليوم: “هذا السؤال كان بسيطا جدا لأجلس مذهولا أمام اللجنة، والسؤال الثاني… أعتقد أن إجابتي عليه لم تكن مقنعة بالنسبة لهم، أما السؤال الأخير فقد كنت مستعدّا تماما له، لولا أن تلك الأستاذة قاطعت تدخّلي…” ثم قفز من فراشه واتجه نحو محفظته، وأخرج قلما وورقة وبدأ بالحساب والتخطيط، ليختم بعد دقائق قليلة تسويده، بأن أمسك ذقنه وقال: “إذن لأحصل على الاجازة بميزة، لا بدّ أن أحرز المعدّل في مقابلة اليوم!”. ثم أخذ إجّاصة من الكيس ليكسر بها جوعه، قضمة تتبع قضمة، إلى أن غلبه النّعاس.
بعد نوم عميق استيقظ وقرب آذان المغرب، فتوضّأ وصلى صلاة العصر التي كان قد نام عنها، ثم اتجه صوب المسجد المجاور، حيث التقى بعدد لا بأس به من الأصدقاء، منهم من يوازيه سنّا، ومنهم من يصغره عمرا؛ ففي مثل هذا الوقت من كل سنة، ومع اقتراب موعد الامتحانات الإشهادية، يحرصون على الصلاة في المسجد للتضرع وسؤال التوفيق من الله عز وجل. بعد الصلاة عاد الى المنزل، وما كان عليه في طريقه إلا أن يمر هذه المرة، مرغما، على دكان “بّا مْحمد”، فليس هناك من يجاريه في تحضير شطائر البيض والسلامي.
– السلام عليكم، من فضلك شطيرة بيض وسلامي كالعادة، ولا تكثر الصلصة الحارّة!
رفع “بّا مْحمد” نظره ببرودة، ودون أن يردّ السلام، استقام بهدوء ومسح يديه بوزرته البيضاء المتسخة، ثم باشر اعداد الشطيرة. وبينما هو يقلّب البيض فوق المقلاة، تكلّم بصوت كالهمس، لكنه واضح النبرات:
– لقد كنت توّا أتحقق من دفتر الديون، ووجدت أنه ما زال بذمتك سبعة وأربعون درهما.
فأخرج بطلنا “عبد الرحيم” من جيبه خمسون درهما، ورماها جانبا بطريقة تظهر للعيان، وعيناه تلمعان ببريق الثقة والاعتزاز. تبسّم “بّا مْحمد” وتغيرت ملامحه، وبدأ العمل في تحضير الوجبة بسرعة أكبر:
– هل ستأكلها هنا يا بنيّ؟ هل أسجل ثمنها في الدفتر؟
– سآخذها معي الى البيت…
ثم أخرج “عبد الرحيم” خمسة دراهم، ووضعها فوق ورقة الخمسون درهما. أضاف “بّا مْحمد” رشة من زيت الزيتون على الشطيرة، ولفّها بورقة ثم وضعها بكيس بلاستيكي على غير عادته، وقدمها لصاحبنا الذي أخذها وانطلق الى منزله.
في صباح اليوم التالي استيقظ “عبد الرحيم” باكرا وحضّر نفسه للذهاب الى الكلية من اجل اتمام آخر اجراءاته الادارية قبل العودة الى الدوار.
خرج من “الغار” ولكن هذه المرة دون الزي الرسمي الأنيق، واتجه نحو موقف الحافلة متفائلا. بعد ساعة إلا ربع، كان قد حجز مكانا له بطابور وراقة الكلية لنسخ واعداد بعض الوثائق الادارية والشخصية. الصف يكاد لا يتحرك، فالآنسة بالمكتبة تعمل ببطء شديد، وعينيها العابستين تعكسان مدى سخطها على الوضع، كأنها ملّت عملها وملّت معه زبنائها المعتادين. بعد مدة ليست بالقصيرة فوجئ “عبد الرحيم” بأحد الأصحاب خارجا من المكتبة بعد أن منّ الله عليه بنسخ ما تيسّر من الأوراق. استوقفه “عبد الرحيم” وهو يتأمل بفضول حجم الملف الكبير الذي يحمله:
– السلام عليكم، ما بال هذا الملف الضخم؟ أما زال هناك بعض المحاضرات التي لم تنته بعد؟
– إنني أحضر ملفي لأترشح لاجتياز مباراة الوظيفة، وقد حصلت للتو على كشوفات النقط وجئت لنسخها وباقي الوثائق المطلوبة.
– الوظيفة؟! أية وظيفة؟!
– لقد تم الاعلان عن مباراة التعليم، وآخر أجل لوضع الترشيحات بعد أسبوع من الآن!
– يا إلهي! لم يخبرني أحد بالأمر!
– الكل يعلم بالخبر، فقد تم نشره على الانترنت!
جلس “عبد الرحيم” القرفصاء، وبدأ يتحسر على حاله، فلو كان يملك حاسوبا أو هاتفا ذكيا، لتمكن من تصفح الانترنت على الدوام، والاطلاع على آخر الاخبار والمستجدات. وكيف له أن يجمع الوثائق المطلوبة والتي يلزمها وقت وذهاب وإياب وبعضا من الحظ، وهو على وشك ترك منزله المُكترى بعد أيام؟!
قضى “عبد الرحيم” أربعة أيام ماراطونية، بين الكلية والمكتبة وزيارة بعض الأصدقاء من أجل الاستشارة والتوجيه، أربعة أيام من الانتظار في الحر، دون إفطار ولا غذاء، أربعة أيام من ترجي الإداريين والأعوان من أجل تسريع عملية استخراج كشوفات النقط وبعض الوثائق الاخرى قبل انصرام الأجل المحدد. وكان لا بد له قبل مَتمّ نهار اليوم الرابع أن يزور “الحاجّة” صاحبة المنزل، من أجل طلب تمديد فترة الكراء الى غاية آخر الأسبوع.
– السلام عليكم أَلحاجّة، كيف حالك وحال الصحة والأبناء؟
أجابت “الحاجة” وهي تُطأطِأ رأسها، بصوت هادئ يتخلّله أنين:
– الحمد لله يا بني على كل حال، ذهبت الصحة وذهب معها الأبناء، كلّ مشغول بحياته الآن. هل انتهيت من جمع أغراضك يا بني؟
– لهذا السبب جئتك ألحاجّة… لطلب تمديد مدة المُكوث في بيتك حتى نهاية الأسبوع…
اشرأب عنق “الحاجة” وأقرنت حاجبيها وأجابته بنبرة صارمة:
– … هو يوم واحد يا ولدي، فأنا بصدد التحضير لعرس ابنتي، وسأحتاج المنزل بعد أيام. ثم دخلت تاركة جزءا من الباب مفتوحا.
بعد زوال يوم الغد، كان “عبد الرحيم” قد سارع الى جمع ما بقي من وثائق ولم يتبقَّ له سوى ملأ استمارة التسجيل عبر الانترنت، ولهذا الغرض اتجه لصديقه “رشيد” الذي يعمل بمقهى الأنترنت، والذي ينقذه غالبا في مثل هاته المواقف. بعد تعبئة استبيان التسجيل، شكر “عبد الرحيم” صاحبه وأعطاه رقم هاتفه من أجل إخباره بالنتائج فور الإعلان عنها.
في عشية نفس اليوم، رتّبَ بطلنا أغراضه، وارتدى سترة ابن عمه، وتوجه الى مركز التربية والتكوين ليضع وثائق ترشيحه، ثم استقلّ آخر سيارة أجرة متوجّهة للدوّار.
في كل مرة يعتاد فيها “عبد الرحيم” على صخب وأجواء المدينة، يجد نفسه غير قادر على التأقلم من جديد مع أوضاع الدوّار وما يستلزمه من أعمال يومية شاقة أهمها الرعي والسقي، فلم يعد يرضى أن يلْحَظه الناس يرعى الغنم، وهو الذي حصل على اجازته بميزة، وصار بيده مفتاح يُمَكِّنه من ولوج وظيفة محترمة.
بعد ثلاثة أسابيع في الدوار، وبينما “عبد الرحيم” مُتّكئ على جذع شجرة يهش غنمه، رنّ هاتفه الذي لم يعد يفارقه منذ عودته من المدينة. أجاب بسرعة ولهفة… إنه “رشيد” اتصل ليخبره أنه قد تم ادراج اسمه في لائحة المقبولين لاجتياز المباراة التي ستنظم بمدينة مراكش آخر هذا الشهر. وسط إحساسَيْ الغبطة والسعادة، اللذان أحس بهما “عبد الرحيم” ظهر قلق وحسرة حدّا من فرحته… فالسفر الى مراكش يلزمه مال للتنقل، والمأكل، والمبيت… ومتى سيتسنى له التحضير للمباراة؟ ثم تذكر لوهلة “الحاجّة” التي أبت أن تمنحه بعذ الوقت للمكوث بالغار، فلولا عنادها لتمكن من جمع وثائق ومعلومات أكثر تفيده للتحضير لليوم الموعود. عاد “عبد الرحيم” لمجلسه بعد أن كان قد وقف مسرعا للإجابة على مكالمة رشيد، ثم مدّ رجليه وبدأ يداعب الحصى بعصاه.
بعد صلاة العصر، احتسى بطلنا كأسا من الشاي بالنعناع وليس في باله شيء سوى مراكش، حتى أنه لم يعِر اهتماما لما جادت به أنامل أمه من رغيف و”مسمن” وحلويات. بعد لحظات تذكر أحد أعمامه الذين لم يرهم منذ وفاة والده، والذي يقال انه كان يعمل بالمدينة الحمراء. هرع “عبد الرحيم” مسرعا عند أمه يسألها:
– أمي ! هل عمي “البشير” لا زال يقطن بمراكش؟
أجابته أمه، وهي ترفع راحة يُمناها، كأنها تتبرأ مما قد تجتره إجابتها:
– هذا ما قالته عمتك الزهراء…
– وهل تعرفين أين يوجد مسكنه؟
– كل ما أعرفه أنه يعمل “حلايقيا” بساحة جامع الفنا.
ها قد ضمن “عبد الرحيم” مكانا للمبيت أثناء اجتيازه للمباراة التي ستمتد ليومين متتاليين، أو ربما هذا ما حاول أن يقنع نفسه به ليتمكن من التركيز أكثر على الاستعداد للامتحان.
مرّت الايام وشارف الأسبوع الأول على الانتهاء، وفي كل يوم كان “عبد الرحيم” وغنمه يمرون على مدرسة الدَّوّار، طمعا في وجود أحد يطلب منه المساعدة والإرشاد؛ فموعد توقيع محاضر الخروج قد اقترب ولا بد من أن يجتمع الاساتذة هناك.
كل يوم عند “عبد الرحيم” كان يبدأ بأمل وينتهي بأسف وحسرة؛ الى أن جاء ذاك اليوم الذي لمح فيه سيارتين مركونتين قرب باب المدرسة الذي كان مفتوحا. انتظر أمام المدرسة نصف ساعة، ثم ساعة، فساعتين… وكله شغف وتوتر. الى أن خرج الأساتذة وركبوا في السيارتين بسرعة، إلا واحدا كان متأخرا عن الموكب. اتجه “عبد الرحيم” نحوه مسرعا فبادره بالسلام قبل أن يرتمي هو الآخر داخل احدى السيارتين:
– السلام عليكم يا أستاذ، لقد تم قبولي لاجتياز مباراة التعليم وسأحتاج بعض الوثائق التي قد تساعدني للتحضير للمباراة.
تبسّم الأستاذ ووقف لثوان ينظر الى الأسفل وهو يداعب ناصية شعره، ثم طلب من زملائه الانتظار وعاد الى المدرسة. بعد مدة قصيرة خرج الأستاذ محمّلا بثلاثة كتب ومطبوع غليظ، جُلّها بالٍ، لكنها منظمة وأنيقة… مدها لعبد الرحيم وتمنى له التوفيق، فشكره هذا الأخير وأظهر له كل الامتنان؛ فلم يضع انتظاره سُدا، وبات الآن على المسار الصحيح لمواصلة السعي وراء هدفه.
المشهد الذي عاينه “عبد الرحيم”، وكيف كان الأساتذة مندمجين فيما بينهم، وكذلك ثيابهم الأنيقة والهيبة التي ترافق لقبهم داخل الدّوّار، جعله يتشبّث أكثر بهاته الفرصة الذهبية، وأمضى صاحبنا ما تبقى من أيام تفصله عن المباراة في الجد والمثابرة، فقد صرت تراه يحمل كتبه أينما حل وارتحل… أثناء الرعي، أثناء الاستجمام، وحتى في الجلسات العائلية، حتى صار بعض ساكنة الدّوّار يلقبونه بالدكتور، ليس تعظيما وتشجيعا، بل سخرية واستهزاءً.
انطوت أيام والشاب المثابر ليس له همّ سوى الحصول على الوظيفة، فبعد وفاة والده منذ ثلاث سنوات، بات هو المعيل الوحيد لأمه، اللّهم تلك البركة التي يرسلها أخوه “هشام” بداية اقتراب كل عيد أضحى؛ “هشام” الذي هاجر سِرّيا الى ايطاليا هربا من غَيابات البطالة والانحراف، فرغم أن الهجرة ليست من أولويات “عبد الرحيم” في الوقت الراهن، إلا أنها واردة كخطة بديلة في حال عدم توفقه في الحصول على وظيفة. فمن ترعرع في مثل ظروفه يعلم جيدا أن الشهر والسنة… يعنيان الكثير، فليس له الوقت مثل أقرانه من أجل البحث عن عمل أو قضاء فترات التدريب بين الشركات والمؤسسات التي تستغل حاجة الشباب وقلة خبرتهم.
لم يتبقّ إلا يومان على الميعاد المنتظر؛ جهز “عبد الرحيم” حقيبة ظهر صغيرة، ثم انطلق نحو مراكش التي لم يسبق أن وطأتها قدماه. نزل من القطار واقتراب غروب الشمس، وليس له ملجأ سوى ساحة جامع الفنا. استوقف أول طاكسي رآه:
– السلام عليكم، ساحة جامع الفنا لو سمحت يا سيدي.
لم يكن يعلم “عبد الرحيم” أن عبارتَيْ “سيدي” و”البهجة”، تَفْرقان الكثير لدى بعض سائقي الطاكسي بالمدينة الحمراء. بل أكثر من هذا، طيبته… أو بالأحرى سذاجته، جعلته يحكي للسائق تفاصيل مجيئه أول مرة لهذه المدينة. كلّف  هذا الحديث (الذي بدا شيّقا في البداية) “عبد الرحيم”، ثلاثون درهما، أي أن مصاريف جولته بالطاكسي كادت تقارب مصاريف رحلته من الدوار الى المدينة. أدى صاحبنا السومة الغليظة وانطلق نحو الساحة من أجل البحث والتجوال بين الحلقات، واحدة تلو الأخرى، علّه يلمح عمه “البشير”. أحس “عبد الرحيم” بمهرجان من المشاعر، فقد أضحكه عرض كوميدي لإحدى الثنائيات، وأدهشه القرد الذي ينفذ أوامر سيده، وأخافته الأفعى التي تزحف قرب أقدام المتفرجين، ولكن أكثر ما أثار انتباهه كان جمعا من الناس تجمهروا حول شرذمة من رجال يرتدون ملابس نسائية… نقاب وحليّ وفساتين ذات أهداب ملونة، يقدمون عروضا راقصة كوميدية غنائية، تفاعل معها المتفرجون. كان لا بد لهذا المشهد الغريب أن يجذب “عبد الرحيم” الذي اتخذ له مكانا في الصف الخلفي ليتجنب حرج مدِّ النقود بعد نهاية كل فصل من الحلْقة، ثم وضع حقيبته جانبا ليريح كتفيه. ضحك “عبد الرحيم” حتى اغرورقت عيناه، وتابع العرض حتى نهايته، بل أن فضوله وشغفه جعلاه ينتظر حتى بعد نهاية العرض، من أجل معرفة من يختبأ خلف تلك الأزياء الفلكلورية البهلوانية. راقب بدقة ودهشة كل التفاصيل، حتى رأت عيناه ما لم يكن في الحسبان… ثم دفع بيديه من بقي من المتفرجين، واتجه مسرعا نحو أحد أعضاء الفرقة الذي كان بصدد نزع ثياب العرض:
– عمي البشير؟!!
لم يخطر على بال “عبد الرحيم” للحظة أن يجد عمه “البشير” متخفيا في زي نسائي… وتمنى لو أنه لم يجده. صُدم العم “البشير” واحمر وجهه، وبدأ بالالتفات يمينا وشمالا ليتأكد ما إن كان “عبد الرحيم” قد أتى وحيدا، أو رفقة أحد أفراد العائلة.
بعد أن تحقق بطلنا من ملامح عمه، الذي سلم عليه ببرودة وجفاء، عاد ليحمل حقيبة ظهره التي لم تكن للأسف في انتظاره، فأخذ يلتف بين المتفرجين والمارة، ويبحث ويصرخ بجنون في جميع الأرجاء، حتى أمسكه عمه من كتفه بقوة كأنه يخبره أن لا جدوى من البحث. صار “عبد الرحيم” يلهث ولا يستطيع أن يلبث مكانه من هول الصدمة، وبدأ يتحسس يتحسس كل جيوب سرواله وقميصه، ليتحرى وجود محفظة النقود، وبطاقة التعريف، واستدعاء المباراة.
حزم “البشير” أغراض “عمله” في كيس مهترئ، ووضع طاقيّته المزركشة على رأسه، ثم انطلق و”عبد الرحيم” خارج ساحة جامع الفنا. مرت دقائق والقريبان يمشيان دون أن تسمع لهما حديثا؛ لم يجرأ أحد منهما على الكلام حول الواقعة أو تفسيرها، إلى أن قرر “عبد الرحيم” كسر حاجز الصمت، وبدأ بالتحدث مع عمه وحكا له تفاصيل مجيئه إلى مراكش ومغامرة البحث عنه، كما وضح له أنه لا يملك مكانا للمكوث فيه. كان “عبد الرحيم” الأكثر كلاما، بينما “البشير” كان يكتفي بطأطأة رأسه أو بأسئلة قصيرة لا معنى لها. ظل “عبد الرحيم” طوال المسير، يشتكي لعمه ظروفه القاسية، ويشرح له أهمية المباراة بالنسبة إليه، ويتأسف بين الجملة والأخرى على ضياع أغراضه المهمة، حتى دعاه العم للمبيت عنده… وما كاد يفعل.
اختفى صخب المدينة شيئا فشيئا، ودخل القريبان لأحد الأزقة الضيقة، اتجها يمينا ثم شِمالا حتى وَصَلا لباب مختفٍ في إحدى الزوايا المظلمة؛ فتحه “البشير” وأعطى “لعبد الرحيم” نسخة عن المفتاح، ثم دخلا. كان البيت يحتوي على دورة مياه، ومكانا به صنبور وقنينة غاز صغيرة وبضع أوانٍ، يُعتقَد أنه المطبخ، وغرفة ضيقة. نزع العم “البشير” حذائه ثم وضع كيسه في زاوية من الغرفة، قرب بعض الأغراض الغريبة الأخرى من ملابس وأدوات وحتى سواطير! واستلقى على الأرض وأغمض عينيه غير آبه بأحد. كانت الغرفة شبه ممتلئة برجال من مختلف الأعمار، وما إن دخلها “عبد الرحيم” حتى انهالت عليه نظرات حادة أربكته، وما كان له إلا أن يتخذ مكانا قرب عمه ليستلقي فيه دون أن يفهم شيئا. أقبل منتصف الليل وبطلنا لم يغمض له جفن. كانت الغرفة قد امتلأت عن آخرها، وبدأ النفَس بالاختناق أكثر فأكثر. لم يعد “عبد الرحيم” قادرا على الترنّح من مكانه، وكلما حاول التقلب لامس رِجل أحدهم أو رأسه؛ ظل الحال هكذا حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل… ثم ازداد سوءا. بدأت المنبهات بالرنين ومع كل رنة منبه، كان يخرج رجل أو رجلين، يرودان في مشيهما. كان يفصل بين الرنة والأخرى ساعة تقريبا، وأحيانا أقل من ذلك، وفي كل مرة كان “عبد الرحيم” ينزاح بنظره جهة عمه الذي كان يغط في نومه كأنه اعتاد الأمر.
في كل مرة كان يخرج فيها أحد النائمين بالغرفة، ويحمل معه زاده من الزاوية، كان “عبد الرحيم” يسأل نفسه: أي عمل هذا الذي يكون بعد منتصف الليل؟ وفي أي شيء تُستعمل كل تلك الأدوات الغريبة؟ وما بال السواطير؟ كل هذا جعل رجليه تتجمدان من الخوف، رغم شدة الحر بالمكان؛ أمضى الليل كله يتساءل، ويحلل الأصوات التي يسمعها آتية من وسط العتمة، ويفكر في الغار الذي كان يكتريه، وكيف كان ملكا له وحده، يرتع فيه كيف يشاء.
طلّ الصباح واستيقظ “عبد الرحيم” متأخرا بسبب الأرق الذي لازمه طوال الليل. لم يكن أحد بالغرفة إلا رجلين يتناولان أكْلا لا تظهر مقاديره، لأنه كان مغلفا بكيس بلاستيكي. جهّز بطلنا نفسه، ثم انطلق الى المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، وأخذ يستفسر كل من يجد في طريقه من المارة؛ فمنهم من يرسله لمديرية التعليم، ومنهم من يحسبه يبحث عن إحدى المدارس، ومنهم من يوجهه لدار الضرائب… كلٌّ حسب فهمه، خاصة أن هذه التسميات الإدارية جديدة، ولا يلمّ بها الكثيرون. أمضى صاحبنا ساعات وهو يبحث عن ضالته، خاصة أن طبيعة المراكشيين الاجتماعية، وترحابهم بالغريب، تجعله يمضي دقائق في اللغط كلما سأل أحدهم عن وجهته.
وصل “عبد الرحيم” بعد الظهيرة الى مقصده، فوجد بالمركز عددا من الأفراد أغلبهم في مثل سنه، ثم اتجه نحو مكتب الإدارة الذي كان مفتوحا، من أجل الاستفسار حول بعض المعلومات. كان هناك رجل يجلس على مكتب أنيق وكبير، لقي منه “عبد الرحيم” ترحيبا وسعة صدر جعلته يطمئن لاجتياز مباراة الغد، وأزاحت الضباب عن أشياء كانت قد شغلت باله. وعند خروجه الى ساحة المركز، وقف عند مجمع من المترشحين، وبدأ الحديث معهم حول عدة مواضيع تخص المباراة والتعليم. كانوا شبابا مثقفين يطغى على كلامهم عبارات الاحترام والتقدير وتقبّل الآخر. ثم غادر المركز، بعد أن تبادل معهم أرقام الهواتف، وكله حماس وشغف ليلتحق بهاته النخبة. لم يحس “عبد الرحيم” يوما بمثل هذه المهابة والإجلال عند ولوجه باب احدى الإدارات، وما عاشه في الكلية من صدّ وتماطل، من صغير الموظفين الى كبيرهم، جعله يجزم أن كل ما هو إداري مرادف للمَشقّة والهَوان.
عند العصر، تلقى “عبد الرحيم” اتصالا من أحد الأصحاب الجدد الذين تعرف عليهم صباح هذا اليوم، يدعوه فيه الى الإجتماع رفقة آخرين من أجل النقاش حول المباراة. رحّب صاحبنا بالفكرة، واتجه نحو المكان الذي وصفه له الشاب، فوجد الشلّة مجتمعة حول طاولة بإحدى المقاهي في وسط المدينة. بعد التحية والسلام، جلس “عبد الرحيم”، ثم قدّم كل واحد من المجموعة طلبه للنادل؛ اختلفت الطلبات حسب جنس وعادات كل فرد، إلا “عبد الرحيم” الذي امتنع عن الطلب بحجة أنه صائم.
كان الكل منهمكا في تدوين الملاحظات وطرح الأسئلة والنقاش، أما “عبد الرحيم” فقد اكتفى بالإنصات وتلقي المعلومات، خاصة أن كتبه وأغراضه قد سرقت منه.
حل المساء، وتفرق الجمع، وعاد “عبد الرحيم” الى المنزل الذي لا يعلم عنه شيئا لحد الآن. ولكن هذه الليلة، عدّل منبه هاتفه هو أيضا، ليستيقظ قبل موعد المباراة. مرت الليلة كسابقتها، و”عبد الرحيم” لا يكاد يمّيز رنة منبهه بين الرنات الأخرى التي تتشابه نوتاتها. حل الصباح، وحضر المناسبة ثلة من المثقفين وأصحاب الشهادات العليا، من مختلف الأعمار والفئات، وكان همّ “عبد الرحيم” الوحيد هو اجتياز المباراة والرجوع الى الدوار بأسرع وقت. وبعد زوال اليوم الثاني، انطلق “عبد الرحيم” من المركز الى محطة القطار مباشرة، دون أن يسلم على عمه الذي كان سيفرح كثيرا بوداعه.
وصل بطلنا للدوار، دون حقيبة ولا زاد، ففرحت به أمه التي غمرته بالدعاء والقُبل وحضّرت له أشهى المأكولات والأطباق. لم يخبر “عبد الرحيم” أحدا بالأحداث الغريبة التي مر بها بالمدينة الحمراء، واكتفى بسرد الطريفة والجميلة منها ولو أنها قليلة؛ ولأنه لم يرد أن تهتز صورة عمه الشهم والمحترم، كان يمدحه ويثني على موقفه النبيل الذي أبداه عند اللقاء به.
لم تمض أيام طويلة حتى تم استدعاء “عبد الرحيم” لاجتياز المقابلة الشفهية، فأعطته أمه المسكينة بضع ورقات نقدية، كانت قد حصلت عليها بعد بيع سطل من التين البربري، وبعض العسل والسمن، من أجل التأكد من أن ابنها العزيز سيكون على أفضل حال، وهو أمام لجنة المقابلة. لحسن الحظ لم يكن هذه المرة إلا نصف يوم، قضاه “عبد الرحيم” بمراكش، ولحسن الحظ أيضا أن تعبه وشقاء والدته لم يذهبا سدا، فبعد أسابيع كانت البشرى السعيدة تجوب أرجاء الدوار، والزغاريد لم تكد تنقطع من بيت الأستاذ المستقبلي. لم يسع فرحة “عبد الرحيم” شيء، فلم يتبق من تحقيق حلمه إلا شفا، وسينسى كل معاناة مر بها أو يوم عصيب أرق باله. مشقة العمل بالدوار، غربة العيش بالمدينة، تسول الأقارب والجيران، الاحتقار والمذلة، كل هذا بات من الماضي الآن.
بعد يوم غد، حضّرت “السعدية” أمّ “عبد الرحيم”، وجبة “الرفيسة” الشهية، وزينتها بالبيض وجادت في تحضير مرق الدجاج البلدي بالسمن وأوْفَت، ثم دعت كل الصديقات والقريبات، وحتى العدى. رحبت بالضيفات أشد ترحاب، ولم تبخل عليهن بطيب قَط، وفي كل مرة كانت تُدخل عليهن “عبد الرحيم” بعد إلحاحهن على مقابلة نجم الوليمة، وسط مباركتهن ودعواتهن له بالتوفيق. ومن شدة خجله كان “عبد الرحيم” لا يرفع نظره ويكتفي بالتبسم ووضع يده اليمنى على صدره كتعبير عن شكره.
أثناء الوليمة كانت كل واحدة من المدعوات تمدح ابنتها أمام “السعدية” وتعدد صفاتها الجميلة، وحنكتها في المطبخ والعناية بالمنزل. وكانت “السعدية” تعاين بدقة وعزة نفس كل كلمة مما يقلن.
في صباح اليوم التالي، كان “عبد الرحيم” طريح الفراش، وأمه تجول في أرجاء المنزل وبيدها مبخرة لا تكاد تظهر وسط سحابة الدخان القاتمة. وبعد انتشار خبر مرضه في الدوار، لم تنقطع عنه الزيارات، فقد صار محبوبا عند الجيران، بعد أن أضحى الآن الموظف الوحيد بين أقرانه. عند كل زيارة كان “عبد الرحيم”، يسمع وصفات غريبة جعلته يقاوم المرض ويتظاهر بالتعافي، قبل أن تبادر أمه بتحضير إحداها؛ فجارتهم “حفيضة”، نصحته بذبح قنفذ، وأخرى وصفت له خلطة من البصل وإكليل الجبل وروث الحمام، يضعها على رأسه، وكثيرات من وفرن عليه عناء تحضير الوصفة وقمن بإحضارها بأنفسهن، والمثير في الأمر، أن الناصحات، كن يصفن مقادير دقيقة، ويشددن على ضرورة احترامها.

الوسوم
اظهر المزيد

BAYLA Khalid

أستاذ ومدرب مجدد خبير. فائز بمسابقات وطنية ودولية.

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “فراشة الربيع – خالد بيلا – الجزء 1”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق