مقالات و بحوث تربوية

فراشة الربيع – خالد بيلا – الجزء 2

انقضى فصل الصيف، الذي قضاه “عبد الرحيم” بين الإدارات والمراكز وبين صفحات الكتب والأوراق، وختمه بعِلّته التي دامت أسبوعا. لم يكن كلام الناس، ولا حالته المادية والاجتماعية، ولا حال أبناء جيرانه الذين حصلوا على الباكالوريا ولم تنفعهم، أو بالأحرى لم ينتفعوا بها في شيء، فها هو “ابراهيم” يرعى الغنم، وذاك “أحمد” يفترش مكانا في المدينة لبيع بعض السلع الموسمية، أما “سعاد” فتنتظر عودة ابن عمها من الغربة ليتزوجها… لم يكن كل هذا ليقلل من عزيمة “عبد الرحيم” واصراره، فإن كانت مباراة الوظيفة بالنسبة لبعض الشباب في عمره تجربة ومحطة عبور، فبالنسبة إليه كانت عبارة عن استثمار… استثمار لسنوات من التعب والعمل، استثمار لليال من السهر والجوع، استثمار لغربة فوق فراش اسفنجي لا زالت ذكراه مدوّية بين أضلع “عبد الرحيم”.
حلت بداية السنة التكوينية الجديدة، والتحق بطلنا بسرب مربي المستقبل، بأحد المراكز في مدينة ساحلية معروفة. وبعد التسجيل وما يصحبه من طقوس اعتيادية روتينية، كنسخ الوثائق، والتعارف بين الطلبة والبحث عن مسكن، ثم انتقاء شركاء المسكن… استقر “عبد الرحيم” مع اثنين آخرين من الطلبة المتدربين، بمنزل متواضع جدا، بأحد الأحياء الشعبية، كان لا يكاد يختلف كثيرا عن “الغار”. وبدأ مرة ثانية يلعب دور البطولة في مسلسل المعاناة، لتوفير المأكل والمشرب وما يصحبهما من حاجيات أخرى، خاصة أن المنحة تأخذ أشهرا قبل أن ينفك سراحها.
كان “عبد الرحيم”، يحضر دروسه بانتظام، ويكثف جهوده في العمل مع أصحابه بالمسكن؛ أما الدروس والوثائق التي كان يتسابق زملاؤه لنسخها بالمكتبات، فقد كان يختار فقط المهم منها، وحتى المُهم، كان أحيانا يقسمه إلى مُهم وأهم، فيكتفي بالأهم.
صار “عبد الرحيم” مَحطّ أنظار جميع زملائه، فشخصيته الخجولة، وتحليلاته الفلسفية للأمور، كانت تبعث على الضحك أحيانا وعلى الإستغراب أحيانا أخرى. ولكن وسط ذلك الإقصاء والسخرية اللذان كان يشعر بهما من طرف البعض، كانت هناك طالبة هادئة، قليلة الكلام، لا يعرف عنها “عبد الرحيم” شيئا، سوى اسمها… “نادية”. كانت “نادية” عندما يبدأ الجميع بالضحك على تعليقات أو إجابات “عبد الرحيم”، تكتفي بابتسامة غامضة، وأحيانا أخرى كانت تسانده في آرائه رغم قلة تدخلاتها أثناء الدرس، فكان الجميع يصمت عندما تتكلم، ولا تكاد تجد تعقيبا واحدا على كلامها. وبالرغم من أن هذه الأمور قد تبدو عادية، إلا أن بطلنا كان يرى فيها رسائل خفية من طرف الطالبة المحيّر أمرها. وفي كل مرة تلتقي فيها نظراتهما، كانت “نادية” تبتسم بثقة ثم تنزاح عن نظره؛ فيشعر بقشعريرة تبتدأ من فروة رأسه، ويبدأ قلبه بالخفقان. ولكن رغم ذلك، فإن لغز الفتاة، لم يجعله يتجرأ يوما على محادثتها.
في أحد أيام الجمعة، حيث كان الجو مطرا، وبعد انتهاء آخر حصة أسبوعية، غادرت “نادية” تاركة مظلتها الزهري لونها قرب مكان جلوسها، فانقضّ عليها “عبد الرحيم” انقضاض الأسد على فريسته، ثم خرج يبحث عن صاحبتها بسرعة، ولكن الطالبة كانت قد غادرت المكان، فبقيت المظلة في عهدة “عبد الرحيم” ليومين متتاليين.
كانت المظلة تعطي حيوية للركن الذي يفترشه “عبد الرحيم” بالمنزل، وكان لونها الزهري المشع يضيء عليه عتمة المساء ويؤنس وحشته وسط قطقطة المطر التي تُعزف على زجاج نافذة الغرفة. كانت مظلة متميزة، وكان بها عطر غريب، منعش، طفولي وهادئ، يُشعر من يستنشقه بالنشاط ويبثّ في قلبه الرغبة في اللعب والمرح… هكذا كان يصف “عبد الرحيم” الشيء لصاحبيه، وهو ممسكا إياه بيديه؛ وكان يخبرهما أيضا أنه منذ اللحظة التي أمسك فيها بالمظلة، لم يبارحه شعور غريب في معدته، هو كالألم ولكنه ليس مؤلما، ليس بالمغص ولا بالوجع، هو شعور بالإضطراب في الأمعاء، ممزوج بالتوتر وبفرحة تقبض الأنفاس في آن واحد. أخبره أحد خليليه أن هذا الشعور يسمى “فراشات المعدة”، فراقت “لعبد الرحيم” تلك التسمية، وبدأ مع شريكيه في المسكن، بالتخطيط لكيفية إرجاع الأمانة لأهلها.
كان الصديقان “سعيد” و”جلال” يجتهدان في اعداد سيناريوهات “لعبد الرحيم”، من أجل إرجاع المظلة واستغلال الفرصة التي قد لا تتكرر، والتعرف على سر الفتاة، التي أثارت فضولهما بقدر “عبد الرحيم”، فكانا يرغبان بشدة في التعرف عليها أكثر عن طريق صديقهما.
في صباح يوم الاثنين، خرج “عبد الرحيم” باكرا من المنزل، مُسلّحا بنصائح وتوجيهات زميليه، ووقف في ملتقى شارعي “الورود والمعارف”، لينتظر خلف إحدى الأشجار قدوم “نادية”. في كل لحظة تمر، كان ذلك الاحساس في معدته يزداد شدة، كانت الثواني تمر كالدقائق، والدقائق كالساعات. حتى ظهرت “نادية” من بعيد… ارتجف “عبد الرحيم” عند رؤيتها، وراودته رغبة في الهرب ونسيان الأمر برمته، لكنه فكر في أن الفرصة قد لا تأتيه مرة أخرى، فيكون قد ضيع لحظة بات يخطط لها منذ ثلاث ليال طوال. بدأ صاحبنا المشي تأنيا تنفيذا لما جاء على لسان “سعيد”، حتى يجعل لقاءه “بنادية” صدفةً غير مُعوّل عليها، وبالفعل كان كذلك، والتقيا في آخر زاوية من الشارع. لم تبد آثار الدهشة على “نادية” في حين صُدِم “عبد الرحيم” وهو المخطط للقاء:
– السلا… صباح الخير! لقد نسيت مظلتك المرة الفائتة… لقد تركتها قرب المقعد بالفصل.
أجابته “نادية” والثقة تبدو على ملامح وجهها:
– لا، هذه ليست مظلتي…!
اختلطت الكلمات على “عبد الرحيم”، وشعر بحرارة تغطي وجهه في سقيع الصباح البارد، فكل الألحان والكلمات التي نظمها له صاحباه كانت مبنية على قصة نسيان المظلة؛ ثم ضحكت “نادية” كمن سمع دعابة طريفة، وسارا معا نحو المركز. كان موقف “عبد الرحيم” يتطلب منه ارتجالا، وسرعة بديهة، إلا أنهما لم تكونا من الصفات التي يشتهر بها. وبعد خطوات قليلة من المشي، سألته “نادية” بلكنة فرنسية لا يبدو عليها أنها مصطنعة:
– ?Sinon, les études ça va
– عفوا؟ نعم… الحمد لله…
ما كانت ثقة “نادية” بنفسها، وردة فعلها الغير منتظرة، إلا أن تجعلا عبد الرحيم يزداد توترا، وبدأ يضغط المظلة الملعونة بيديه العرقانتين. وصلا إلى المركز ثم انطلق كل منهما عند جماعته، فجاء “سعيد” و”جلال” لتقصي ما حدث من صديقهما…
كان “عبد الرحيم” يشعر بحرج شديد، فمد المظلة الى “جلال” ليتحرى صاحبتها الفعلية، وولج الصف دون أن ينظر جهة “نادية”.
اعتقد أن أمر “نادية” قد انتهى، وفرصة التعرف عليها قد ضاعت منه الى الأبد، بل أنه صار يرى نفسه أضحوكة بين الآخرين. لا بد أنها تسخر من سذاجته الآن. ماذا لو أخبرت صديقاتها بالأمر؟ إلا أن الرياح جرت بما اشتهت السفينة هاته المرة. فقد صارت الفتاة منذ ذاك اليوم، تحدثه من حين الى آخر، بل وأحيانا تأتي نحوه وتبادره بالكلام في فترات الاستراحة ما بين الحصص. ويوما بعد يوم، صارا يشتركان طريق الذهاب الى المركز في الصباح، وطريق العودة منه مساءً، ما عدا بعض الأيام التي تجيء فيها سيارة رباعية الدفع، ضخمة، لا يظهر لا سائقها ولا ركابها عبر زجاجها المدخن، لتقل “نادية” من أمام باب المركز. صار “عبد الرحيم” متأنقا في هندامه، وبات يخصص وقتا لتمشيط شعره قبل الخروج من المنزل وأضحى لا يقضي الكثير من الوقت مع صاحبيه كما كان من قبل.
فطنة وذكاء “نادية” جعلاها منذ البداية تنتبه لحالته المادية والاجتماعية، فكانت تحاول مساعدته ما أمكن دون أن تشعره بالنقص أو الاحراج. كانت دائما تعينه وتشجعه على المثابرة في السعي نحو تحقيق حلمه. فقد كانت تعطيه نسخا عن المطبوعات والدروس التي يتجنب نسخها لغلاء ثمنها، مدعية أنها نسختها مرتين سهوا أو نسيانا. وأحيانا كثيرة كانت تأتيه بكوبونات ملونة؛ فكان لا يكاد يمر الأسبوع دون أن يحصل فيه “عبد الرحيم” على قسيمتين أو ثلاث. هذا كوبون أزرق يمنحك وجبة مجانية مع مشروب بأحد المطاعم الفخمة وسط المدينة، وهذا كوبون أصفر يجعلك تستفيد من تخفيض بنسبة 60% بأحد متاجر الملابس الجاهزة، كوبونات ولوج المكتبات الكبرى، السينما، المتاجر الفاخرة، وحتى أماكن الترفيه والتسلية… غيرت قطع الورق الصغيرة تلك حياة بطلنا، وجعلته يتعرف على نمط عيش لم يكن ليحلم به يوما. لم يكن يسأل عن مصدرها، وكان يكتفي فقط بشكر “نادية” وأخذها بعد أن تشرح له طريقة استخدامها.
لم يشعر “عبد الرحيم” بهكذا سخاء واهتمام من أي شخص آخر من قبل، ما عدا أمه “السعدية”. وكانت يوما بعد يوم، تكبر “نادية” في نظره، وفي نفس الوقت يكبر معها الغموض الذي لطالما كان يرافقها.
حنان، إيثار، ذكاء وروح دعابة، كل هذا مغلف بشخصية قوية وتواضع يفوق الوصف. صفات جعلت “عبد الرحيم” يتمنى لو أنه يقضي اليوم بأكمله بالمركز قربها، حتى صار أغلب الطلبة يعيرون اهتماما لهذا الثنائي المتناقض، خاصة أن “نادية” بلباسها الذي يساير آخر صيحات الموضة، والسيارة الفخمة التي تقلها أحيانا، تجعل الجميع يفكر ألف مرة قبل أن يبدأ الحديث معها، رغم أنها كانت لا تبخل على أحد بالمساعدة في شتى الأمور، وكانت لا تترك للكبر مجالا ليلج قلبها. وحتى بالمنزل الذي اكتراه “عبد الرحيم” لم يكن الأمر ليختلف كثيرا عن المركز، “فجلال وسعيد” يعاتبانه كل يوم على تنكره لهما منذ تعرفه على تلك الفتاة، إلا أنهما رغم ذلك يساعدانه في اعداد الأفكار الجديدة كلما طلب منهما ذلك. فهو يجود عليهما من حين لآخر ببعضٍ من كوبونات “نادية” القيّمة.
في أحد الأيام المشمسة وعند عودة “عبد الرحيم” إلى المنزل بعد انتهاء يومه الدراسي مع “نادية”، فاجأته هذه الأخيرة بخبر تحمس له كل الحماس. فقد أخبرته أن أحد المعاهد في حاجة إلى مدرس، ليقوم بحصص دعم لتلاميذ الابتدائي، وأنها ترى أن “عبد الرحيم” تتوفر فيه الشروط اللازمة ليتم قبوله بالمنصب الشاغر. ثم طلبت منه تسجيل عنوان المعهد ورقم الهاتف. أخرج “عبد الرحيم” هاتفه الفنلندي الصغير باستحياء أمام نادية التي كانت يدها الرقيقة لا تستحكم هاتفها الأمريكي العريض. ثم تداركت الفتاة الموقف بسرعة وأعطته بطاقة أخرجتها من حقيبتها الجلدية ذات الماركة العالمية، بها كل المعلومات التي سيحتاجها.
ذهب الأستاذ المستقبلي مساءً لتحري الأمر وزيارة المعهد، حيث لقي ترحيبا من سيدة الاستقبال هناك، فور الادلاء باسمه، وتم الاتفاق على الأجرة التي كانت جد مناسبة، وعلى مواعيد العمل، دون التشديد على أي شروط أخرى.
ما لم يكن يعلمه “عبد الرحيم” هو أن المعهد ملك لأخت “نادية”… “نادية الكافوري”، ابنة الحاج “عبد الواحد الكافوري”، رجل له وزن في مجال المال والأعمال بالمدينة، ويمتلك مجموعة من المعاهد والمدارس الخاصة. لم يكن الكثيرون يعلمون أصل ونسب “نادية”، سوى بعض الموظفين والأساتذة الذين قضوا سنوات لا بأس بها بالعمل بالمركز، وبضع طلاب من سكان المدينة الأصليين…
كان “عبد الرحيم” يبدأ عمله الجديد مساءً، لثلاثة أيام في الأسبوع، وقد بيّن على اتقان وجدية كانا محط اعجاب مسيّرة المعهد، وأثارا استحسان وثناء أولياء التلاميذ. وتحسن الوضع أكثر، بعد أن أُطلِق سراح المنحة الدراسية التي انتظرها الجميع لأشهر. اشترى “عبد الرحيم” بذلة جديدة وصار له الآن هاتفا ذكيا، وحاسوبا يساعده في أبحاثه وعروضه. وفي كل مرة كان يعود فيها للدوّار، كان يدخل على أمه محمّلا بأكياس من الأطعمة والحلوى. وازداد مدخوله بين المنحة والراتب الذي يتلقاه من المعهد، واتسعت بؤرة أحلامه وباتت له أهداف أكبر وأسمى. ما كان له بعد تحقيق هذه الخطوة الكبيرة إلا الاعتراف بالامتنان والتقدير للشخص الذي كان له الفضل في نصف المدخول الذي يتقاضاه الآن …الآنسة “نادية”.
بدأ مع صاحبيه التفكير في طريقة لرد ولو جزء من الجميل للفتاة السخية، فاقترح “سعيد” الذي كعادته كان يبادر بالأفكار، أن يشتري لها هدية ويدعوها لأحد المقاهي العمومية ليسلمها إياها. أعجب الجميع بالفكرة وبالفعل خصص “عبد الرحيم” أحد الأيام التي لم يكن يعمل فيها بالمعهد، لشراء هدية تناسب “نادية”، وبعد بحث طويل استقر اختياره على قنينة عطر فرنسي مقلد من النوع الجيد، وأوصى البائع بلفها داخل ورق الهدايا ووضع بطاقة وزينة عليها، كما أكد عليه “سعيد” بالضبط. وفي اليوم التالي طلب “عبد الرحيم” من “نادية” أن يلتقيا يوم الأحد، فوافقت وكان لها حق اختيار المكان والزمان، واللذان اختارتهما بحكمة كعادتها. اختارت الآنسة إحدى المقاهي الهادئة والغير المكلفة في نفس الوقت، مراعاة “لعبد الرحيم”، وجعلت اللقاء على الساعة الرابعة بعد الزوال الى حين عودتها من حصة التمارين بالنادي الرياضي.
في صباح يوم الأحد، استيقظ بطلنا، وبعد تناول الفطور رتب أمتعته هو وصاحبيه وقاموا بتحضير ما يلزم من وجبات خفيفة ومشروبات من أجل قضاء الصباح بشاطئ المدينة، فمناسبة اليوم كبيرة وتستحق الاستمتاع والاحتفال مع الاصحاب.
لم يزر “عبد الرحيم” شاطئ البحر منذ أكثر من عشر سنوات، فآخر مرة كانت عندما نظمت إحدى الجمعيات رحلة لمدينة سياحية لفائدة أطفال دوّاره، وكان من بين المستفيدين آنذاك. ففصل الصيف كان يقضيه بأكمله في الرعي، والفصول الثلاثة الباقية في توفير لقمة العيش ومصاريف الدراسة.
ما إن وصل الرفاق، وقاموا بوضع أمتعتهم فوق الرمال السمراء، حتى بادر “عبد الرحيم” بأخذ صورة للذكرى، كان يتوسط فيها صديقيه ويرتدي سروالا قصيرا برتقالي اللون، ونظارات شمسية، ثم شاركها على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي، فقد بات له الآن حسابا على “الفايسبوك”، وصبيب انترنت بالهاتف يستخدمه وقت يشاء.
قبل موعد اللقاء المنتظر بربع ساعة كانت “نادية” قد حجزت طاولة بالمقهى، وجلست تنتظر “عبد الرحيم”. مر الوقت ببطء شديد وتجاوز الموعد بعشر دقائق. لاحظت “نادية” صورة “عبد الرحيم” التي قام بمشاركتها صباحا، فازدادت حيرتها حول سبب تأخره، فهي لا تعتقد أن عبد الرحيم قد نسي الموعد أثناء مرحه على الشاطئ. شعرت الفتاة بالملل بعد مرور نصف ساعة ولم يظهر للشاب المنتظر أثر، ثم وضعت هاتفها جانبا بعد أن أرسلت رسالة نصية لم تتلق جوابا لها، وبدأت تداعب نظرها بفراشات الربيع التي كانت تحوم حول أزهار حديقة المقهى. الفراشة… ذلك المخلوق الجميل ذو الجناحين الملونين اللذين يجسدان عظمة الخالق في ملكوته، إلا وأنها رغم تميّزهها ورقتها تبقى محسوبة على فصيلة الحشرات، وانجذابها نحو النور واللمعان الآتي من المجهول، يجعلها في أغلب الأحيان تحترق حول أشعة النار، فتضع حدا لمسيرتها في الحياة…
في نفس الوقت على شاطئ البحر كان الناس يتجمهرون على شكل حلقة ورجال الأمن والوقاية المدنية في حالة استنفار. يبدو كأن أحد رواد الشاطئ قد غرق أثناء السباحة، فالراية اليوم كانت سوداء مرفرفة… إنه “عبد الرحيم”!! لقد قضي أثناء سباحته في البحر، وقد تم انتشال جثته لكن بعد فوات الأوان.
كانت ابتسامة باردة تشرق على محياه الذي صار أزرقا إثر اختناقه، كأنه يرقد في سلام، بعد أن عايش كل ما كان يحلم به منذ سنوات طوال… عاشه في أيام قليلة ثم غادر…
صدم المركز من هول الخبر الذي نزل كالصاعقة على الجميع، خاصة “نادية”، التي انقطعت عن التكوين بعد أسبوع من الحادثة. زار جل الطلبة بيت الفقيد بالدوار من أجل مواساة أمه المسكينة وتعزيتها، وكانت “نادية” صاحبة الفكرة، وتكلفت بجمع مساهمات الزملاء، والأساتذة من أجل التأبين، وكانت مساهمتها هي الأكبر.
– بعد سنة توفي “هشام” أخ “عبد الرحيم” في ظروف غامضة ببلاد الغربة.
– لم تجتز “نادية” امتحان التخرج، وأنشأت معهدا لتصميم وعرض الأزياء بتمويل من والدها، فقد كان ذلك حلما يراودها قبل ولوج المركز. إلا أنها ظلت تقدم من حين لآخر دروس الدعم بمعهد أختها، لأن ذلك كان يشعرها بالراحة حسب تعبيرها.
– تزوج “جلال” بصاحبة المظلة الزهرية.
– ومازالت التعليقات تنهال على صورة “عبد الرحيم” بالفايسبوك إلى يومنا هذا: “صورة جميلة، بالصحة التبحيرة!” فأغلب من في لائحة أصدقائه، هم أصدقاء افتراضيون.
انتهى.

الوسوم
اظهر المزيد

BAYLA Khalid

أستاذ ومدرب مجدد خبير. فائز بمسابقات وطنية ودولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق